|
مدخل
لاشك في ان الشعب الاريتري حين اعلن ثورته ضد الاحتلال كان يسعي الي تحرير البلاد من القمع والتبعية والاستبداد ، وكان يرمي الي التخلص من كل مظاهر الظلم والجهل والفساد,وبعد ثلاثين عاما من التضحيات الجسام تمكن الشعب الاريتري من احراز استقلاله الوطني ، الاّ ان النظام الذي تولى مقاليد السلطة تنكر لامانة الشهداء فاقام نظاما متخلفا يتبنى الظلم والاستغلال و القمع والارهاب والاعتقال للمواطنين والتعذيب والاغتيال المادي والمعنوي للمناضلين, الامر الذي ادى الى مجموعة من النتائج والتداعيات السلبية التي تقف وراء كل مظاهر العجز التي تعاني منه البلاد حاليا في كافة الاصعدة والفشل والتخلف الذي تعرفه في كل المجالات.
وباستعراض انتهاكات النظام وجرائمه نجد انه كمم الأفواه وغيب الحريات واغلق الصحف وصادر الممتلكات ، وشرد الاف المواطنين بتهجيرهم من قراهم قسرا الي مناطق اخري لايعرفونها ولايألفونها، سعيا منه الي خلق مجتمع جديد يرضي طموحه وغروره, وينسجم مع احقاده وشروره, واحال الوطن الى ساحة للموت والدمار ، بزج الشباب في اعمال السخرة الشاقة واتون حروب عبثية لاناقة لهم فيها ولا جمل، بحجة الدفاع عن حياض الوطن وسيادته ومكتسباته ، في حين ان الوطن في ظل هذا النظام الغاشم يقطع اوصاله وتمتهن كرامته وينثلم شرفه كل يوم, فأى سيادة واى شرف لوطن يفر منه ابناءه واى كرامة او مجد لبلد يعم الرعب اوساط مواطنيه.
اعتمد هذا النظام في علاقاته الخارجية اسلوب الاغارة والعدوان وشن الهجمات واحتضان حركات التمرد للدول المجاورة بحيث يزعزع امنها ويربك استقرارها، ليعود بعد ذلك ليمثل دور الوسيط الساعي للسلام والامن في المنطقة ، وهكذا فقد تلاشت الاحلام الجميلة في بناء وتعمير الوطن الذي يسع لجميع ابنائه,ويعيش في سلام مع جيرانه, وطن قوى ومزدهر من خلال مشاركة المواطن المالك لارادته ، الممارس لكل حقوقه وحرياته .
وعلى كل لا نرصد هنا كافة انتهاكات حقوق الانسان الاريتري ،ولكننا نستعرض جانبا منها وذلك ليس للندب والبكاء علي الحال ، وانما لكشف جرائمه ، وتعرية ممارساته القمعية, ونسف تناقضاته, وتفنيد ادعاءاته بالتنمية والاعمار.
ولابد ان نذكر ان جرائم القتل والتعذيب والاعتقال وغيرها من الجرائم التي تقترف ووجود الاف المعتقلين في السجون دون محاكمة ,ليست خطايا نظام بقدر ماهي سياسة حكم واسلوب ادارة ، مصدرها البناء الفكري لذهنية رأس النظام الحاكم .
وان الراصد المتأمل لايملك وهو يري هذا الواقع المؤلم والانهيار الشامل , إلاّ ان ينعي هذا النظام الذي يستحث الخطي في طريق نهايته ,ولعل في هذا مايدعو المعارضة الاريترية الي التفكير بجدية في وسائل توحيدها ,وتفعيل دورها حتي يكون لها القدح المعلي في الاصلاح والتغيير الذي لن يأتي بالتأكيد منحة فما نيل المطالب _كما يقول الشاعر العربي _بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.
صور من إنتهاكات النظام الإستبدادي لحقوق الإنسان في إريتريا
منذ ظهور مجموعة اسياس افورقي في الساحة الاريترية في فترة الكفاح المسلح ظلت تمارس صنوفا من الاضطهاد والارهاب والتنكيل بالمناضلين، وألوانا من الانتهاكات بحق المواطنين ، وذلك تحت دواع ومبررات مختلفة ، واستمرت هذه الزمرة في نهجها بعد إعلان الدولة الإريترية المستقلة بصورة أشد وأقسي وبمسوغات وذرائع متعددة ، و طالت هذه الإنتهاكات كافة فئات وشرائح المجتمع الإريتري، مما أدى الي تشريد الشباب من الوطن وإلى إفراغ البلاد من الشعب، ومازال النزيف البشري مستمرا حيث نجد امواجا جديدة كل يوم من اللاجئين تعبر الي دول الجوار، بحثا عن ملاذ امن وحياة ارحب وافضل ,و يحسن بنا ونحن نتصدي لانتهاكات حقوق الانسان في اريتريا ان نعرف هذه الحقوق ، فما هي حقوق الانسان ؟ .
لعل كثير من الفقهاء القانونيين يجمعون في تعريفها على أنها المعايير الأساسية التي لايمكن للناس أن يعيشوا من دونها بكرامة كبشر ، ومن خصائصها انها حقوق لا تشتري ، ولا تكتسب ،ولا تورث وأنها حقوق ثابتة وغير قابلة للتصرف ، وبهذا المعني هي حقوق متأصلة في كل فرد وواحدة لجميع البشر بصرف النظر عن العنصر أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر أو الأصل الوطني أو الخلفية الاجتماعية ، حيث ولدنا جميعا أحرارا ومتساويين في الحقوق والكرامة ، إلي جانب ذلك هي حقوق عالمية ليس من حق أحد كائنا من كان أن يحرم منها شخصا أخر . (1)
وتضمنت الكثير من الصكوك والمواثيق الدولية قضية حقوق الانسان أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الأنسان الذي اعتمد بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتأريخ العاشر من ديسمبر عام 1948م .وجاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه : لما كان الإعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم ولما كان تناسي حقوق الإنسان وإزدراؤها قد أفضيا إلي اعمال همجية آذت الضمير الإنساني وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر إنبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة ولما كان من الضروري أن يتولي القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلي التمرد علي الإستبداد والظلم فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .(2) وفي الواقع ان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو بيان يتضمن الحقوق المتفق عليها علي أوسع نطاق في العالم والرسالة الأساسية للإعلان هي أن لكل إنسان قيمة متأصلة وحقوق ثابتة .
وأعتمد هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما أسلفنا من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة وركز علي الحقوق الأساسية لكل شخص بقطع النظر عن عنصره أو لونه أو جنسه أو دينه …. الخ ونص الإعلان علي ان تتعهد الحكومات بتأييد هذه الحقوق ، ليس بالنسبة لمواطنيها فحسب ، وإنما أيضا بالنسبة لأشخاص في بلدان أخري ، وهكذا فإن الحدود السياسية أو الوطنية لا تشكل مانعا في مساعدة الآخرين علي التمتع بحقوقهم . ومنذ إعتماد الإعلان أصبح هو المعيار الدولي لحقوق الإنسان ، ويذكر في العام 1993م انعقد مؤتمر دولي شاركت فيه 171 دولة و جدد المشاركون في هذا المؤتمر التزامهم باحترام حقوق الإنسان وصيانة كرامته . وعلي الرغم من أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعب دورا هاما في تشكيل القانون الدولي لحقوق الانسان ، فإنه لا يمثل في حد ذاته وثيقة لها قوة القانون وآلياته ، بيد أن لهذا الإعلان بصفته إعلان مبادئ عامة تأثيره الملحوظ في أوساط الرأي العام العالمي .
جرائم زمرة اسياس
إرتكبت زمرة اسياس إبان الكفاح الوطني من أجل الإستقلال مجازر رهيبة بحق الكثير من المناضلين والوطنيين ، وكانت تسارع دوما إلي اتهامهم بالتآمر ، وأحيانا بنعتهم بالطابور الخامس أو خفافيش الظلام (منكع) حيث جرت لهم محاكمات صورية مستعجلة، وتم اعدامهم امام الملأ لا لجرم إقترفوه او أثم ارتكبوه ، وانما لمجرد اختلافهم في الرأي مع الديكتاتور. نذكر منهم مخسيكو يماني ، هبتي عنتر ، سمري مقداد ، بعتن تمسقن ، برهي مسيح وغيرهم .هذا في إطار الجبهة الشعبية و قامت هذه الزمرة إلي جانب ذلك بتصفية العديد من وحدات جبهة التحرير الإريترية وهي في مهمة إستطلاع، وظل رئيس الطغمة اسياس يبرر تلك الجرائم بقوله : إنها أعمال فردية غير مقصودة ، وكان الناجين القلائل من تلك المجازر يؤكدون دوما علي انها كانت جرائم مدبرة .
وهناك مآس لم تتح للكثيرين فرصة الإطلاع عليها غير أن من خبروا الديكتاتور بإمكانهم أن يتصوروا مستعينين بخيالهم هول المآسي واساليب التعذيب المختلفة التي تنال العديد من الإبرياء على أيد الزمرة الباغية إلا اننا سنتناول فيما يلي بعضاً من جرائم النظام القمعي الواقعية جدا والتي نحسب أنها أغرب من كل خيال .
جرائم الدكتاتور إبان فترة الثورة
كشف اللفتنانت كيداني (3)العضو السابق في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ،والذي يعرف طبيعة (المطبخ) من الداخل ، عددا من أساليب الديكتاتوراسياس في تصفية المناضلين الذين يختلفون معه في الرأي، وشرح كيف تقوم بعد ذلك ابواقه بوصف الضحية بالمنتحر او المخمور………..الخ امعانا في تشويه الوقائع ، وتزييف الحقائق، وعلى الرغم من قسوة هذه الإفتراءات وشدة وطأتها على النفس ، إلا أنه ما من أحد كان يستطيع للأسف شجبها أو تفنيدها ، ولعل الجميع يذكر كيف تمت تصفية الشهيد عبد الله داؤود مسؤول الخدمة المدنية قبيل إعلان الإستقلال ، وكيف زعمت يومئذ سلطات النظام أن الشهيد انتحر بإطلاق الرصاص علي نفسه في الطريق العام ، وأنه كان مدمنا للكحول …الخ وهو ما يؤكد صحة ما يرويه اللفتنانت عن اساليب الطاغية في طمس واخفاء معالم جرائمه .
وبين اللفتنانت أيضاً أن رئيس الزمرة اغتال عددا من المناضلين في الميدان ، من أبرزهم االدكتور بئمنت زوج إسكالو منقريوس الوزيرة حاليا في حكومته ، والمناضل محاري قبر ميكائيل والدكتور مكنن هيلي والمناضل إبراهيم عافة ، ويقف اللفتنانت كيداني طويلا امام مشهد اغتيال الشهيد عافة ويتساءل: أين رفاقه الذين قيل انهم كانوا معه اثناء استشهاده؟ و لماذا العدو لم يهلل بتمكنه من اغتياله؟ ……. ويطرح اللفتنانت عددا من التساؤلات ، ويفند الرواية الرسمية التي تزعم بأن عافة قد استشهد في حملة بحر نقاش ، وهنا لابد ان نقول بأن ما يطرحه اللفتنانت كيداني هي تساؤلات منطقية أثارها الشعب الإريتري من قبل ، ولم يجد لها إجابة مقنعة ، لذلك ظل الكثيرون يتهمون افورقي وجماعته بالضلوع في عملية إغتيال عافة ، في حين ظل افورقي يكرر بصورة ممجوجة نفيه القاطع للتهم الموجهة إليه ، مدعيا أن الشهيد كان رفيق دربه وزميل كفاحه, وبعد التحرير لجأ إلي حيلة ربما تتضمن إجابةلكل هذه التساؤلات ، حيث بني مدرسة إبتدائية علي أطراف مدينة 13 علي الحدود السودانية الإريترية أطلق عليها إسم الشهيد ابراهيم عافة في محاولة يائسة منه تهدف لتبرئة ساحته.
وفي الواقع أن الزمرة قامت ب
|